واجه الاثنان مجموعة من قضايا الشرق الأوسط بالغة الأهمية. لكنّهما استهلّا اللقاء بجولة من التباهي، شملت إبلاغ نتنياهو للرئيس ترامب بأنّه رشحه لجائزة نوبل للسلام.
ناقش الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عدداً من القضايا المصيرية خلال لقائهما على العشاء، بما في ذلك مستقبل غزة على المدى الطويل، وإمكانية تطبيع إسرائيل لعلاقاتها مع جيرانها في الخليج الفارسي.
لكن قبل ذلك، خصّصا وقتاً للتهنئة الذاتية. احتفى الاثنان بالغارات الجوية الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، واستغل نتنياهو المناسبة ليزيد تقرّبه من الرئيس الأميركي عبر إخباره بأنّه رشحه لنيل جائزة نوبل للسلام.
وأشار نتنياهو مادحاً ترامب، الذي لطالما أبدى رغبته في الفوز بجائزة نوبل إلى «أنّه يصنع السلام، في هذه اللحظة، في دولة تلو الأخرى في المنطقة».
أمّا ترامب، فشبّه قراره بشنّ ضربات جوية على إيران بقرار الرئيس هاري ترومان بإسقاط القنابل الذرية على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية: «ذلك أوقف كثيراً من القتال، وهذا أوقف كثيراً من القتال».
تحدّث الرجلان إلى الصحافيِّين وهما جالسان على طاولة طويلة في «الغرفة الزرقاء»، يحوطهما كبار مساعدي البيت الأبيض. ويُخطِّط رئيس الوزراء الإسرائيلي للبقاء في واشنطن حتى يوم غد، إذ من المقرّر أن يعقد اجتماعات مع نائب الرئيس جي دي فانس، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، ووزير الدفاع بيت هيغسيث.
يواجه نتنياهو مجموعة من القضايا المعقّدة خلال زيارته. وقد عبّر ترامب عن استعجاله التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» يشمل إطلاق سراح الرهائن، وهو الموضوع الذي يجري التفاوض حوله حالياً في قطر.
وتضمّن جدول المناقشات أيضاً الغارات الجوية الأميركية الأخيرة على 3 منشآت نووية في إيران، وهي عملية جراحية ضمن الحرب الإسرائيلية الأوسع على إيران، وذلك ضمن محادثة أشمل تهدف إلى تقليل عدم الاستقرار في المنطقة، وفقاً لشخصَين مطّلعَين على الخطط، تحدّثا بشرط عدم الكشف عن هويّتهما لعدم التصريح لهما بمناقشة الاجتماع علناً.
وصل نتنياهو إلى واشنطن بعد الساعة الواحدة صباحاً بقليل يوم الاثنين، وعقد أولاً اجتماعات مع ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، ومع ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، قبل أن يتناول العشاء مع ترامب.
وهذه ثالث زيارة لنتنياهو إلى البيت الأبيض منذ أن تولّى ترامب ولايته الثانية في كانون الثاني، وهو عدد يفوق زيارات أي زعيم أجنبي آخر. وبينما لا تجمع الرجلَين علاقة شخصية وثيقة - بل ساد بينهما لسنوات نوع من الشك المتبادل - إلّا أنّهما طوّرا علاقة عمل بدافع الضرورة، وفقاً لحلفاء الطرفَين.
أي اتفاق لإطلاق سراح الرهائن في غزة سيتطلّب موافقة «حماس»، التي أصبح لها زعيم جديد، بعد أن قتلت إسرائيل عدداً من كبار قادتها.
وأكّدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، للصحافيِّين: «الأولوية القصوى للرئيس حالياً في الشرق الأوسط هي إنهاء الحرب في غزة وإعادة جميع الرهائن. كان هناك اقتراح لوقف إطلاق النار تدعمه إسرائيل أُرسل إلى «حماس»، ونأمل أن توافق عليه. نحن نريد أن نرى جميع الرهائن أطلِق سراحهم».
ووصفت ليفيت الاقتراح بأنّه «مقبول ومناسب»، وأضافت أنّ ويتكوف يعتزم السفر هذا الأسبوع إلى الدوحة، عاصمة قطر، حيث سيجري محادثات تشمل ممثلين عن قطر ومصر في محاولة للتوصل إلى نهاية للنزاع.
وأعلن ترامب للصحافيين يوم الأحد: «أعتقد أنّنا قريبون من اتفاق بشأن غزة. قد نحصل عليه هذا الأسبوع. أعتقد أنّ هناك فرصة جيدة لأن نتوصّل إلى اتفاق مع «حماس» خلال هذا الأسبوع».
كما ناقش ترامب مستقبل غزة بعد وقف إطلاق النار على المدى القصير. ففي شباط، خلال زيارة نتنياهو الأولى إلى واشنطن هذا العام، أعلن ترامب بشكل مفاجئ عن رؤيته بترحيل نحو مليونَين من سكان غزة بشكل دائم إلى دول مجاورة، لتتولّى الولايات المتحدة بعدها إدارة القطاع وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط». لكنّه عاد وتراجع عن هذا الاقتراح لاحقاً.
وقد ردّت الدول العربية على اقتراح ترامب برؤيتها الخاصة، داعمةً خطة للإبقاء على السكان في غزة، إعادة إعمارها، وجعلها جزءاً من دولة فلسطينية مستقبلية، من دون وجود «حماس» في الحُكم.
ورداً على سؤال بشأن اقتراح ترامب بترحيل الفلسطينيِّين من غزة، الذي تضمّن عملياً تدمير القطاع وتحويله إلى مشروع فاخر على الواجهة البحرية، اعتبر نتنياهو إنّ لدى ترامب «رؤية عبقرية».
وأضاف رئيس الوزراء أنّ سكان غزة يجب أن يكونوا أحراراً في مغادرة القطاع إن أرادوا: «يُسمّى هذا الاختيار الحُرّ. إذا أراد الناس البقاء، يمكنهم البقاء، لكن إذا أرادوا المغادرة، فيجب أن يُسمح لهم بذلك».
جاءت زيارة نتنياهو الثانية، في أوائل نيسان، بينما كان رئيس الوزراء يدفع نحو شنّ ضربة على القدرات النووية الإيرانية. لم يكن ترامب مهتماً بمشاركة الولايات المتحدة في الضربة لأنّه كان يحاول التفاوض على اتفاق لكبح البرنامج النووي الإيراني، لكن تبيّن مع اقتراب شهر حزيران أنّ إسرائيل تعتزم شنّ الضربات سواء بمساعدة أميركية أم لا.
وأوضح ترامب للصحافيِّين يوم الأحد، أنّ إدارته «تعمل على كثير من الأمور»، بما في ذلك ما وصفه بـ«اتفاق دائم على الأرجح مع إيران. عليهم التخلّي عن كل الأمور التي تعرفونها جيداً»، مشيراً إلى أنّ الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية أدّت إلى «تدمير كامل وشامل» - وهو تقييم تتعارض معه تقارير استخبارية - وأنّ على إيران أن «تبدأ من جديد في موقع مختلف».
كما ناقش الرئيس ونتنياهو العلاقات بين إسرائيل وسوريا. ويأمل ترامب في توسيع اتفاقيات أبراهام، التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدة دول في المنطقة، وتفاوضت عليها إدارته خلال ولايته الأولى.
وقد وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يهدف إلى إنهاء عقود من العقوبات الأميركية على سوريا، إذ تحاول الحكومة الجديدة للرئيس أحمد الشرع إعادة بناء البلاد بعد حرب أهلية دامت 13 عاماً.
وتجري سوريا وإسرائيل «محادثات جادة» بوساطة الولايات المتحدة تهدف إلى استعادة الهدوء على حدودهما، بحسب الإدارة الأميركية.
وأعلن نتنياهو، يوم الأحد قبل مغادرته، أنّ «الفرصة لتوسيع دائرة السلام تتجاوز بكثير ما كنا نتخيّله سابقاً. أعتقد أنّ الجميع باتوا يدركون أنّ الوضع قد تغيّر. في السابق، كانت إيران تُدير سوريا عملياً، مباشرةً من خلال «حزب الله». لقد جُثيَ بـ «حزب الله» إلى ركبتَيه. إيران أصبحت خارج الصورة. لذا، أعتقد أنّ هذا يفتح فرصاً للاستقرار، والأمن، وفي النهاية للسلام».
واعتبر إليوت أبرامز، زميل بارز في دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، أنّ هناك مشاكل أكثر استعصاء في ما يتعلق بغزة وإيران: «السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يمكن إحراز تقدّم في كل من هذه الملفات؟ أعتقد أنّه يمكن التوصّل إلى اتفاق بشأن غزة يشمل بدء إطلاق سراح المزيد من الرهائن وإدخال المزيد من الغذاء. التعقيد الأكبر يظهر حين تحاول توسيع هذا الاتفاق وتحويله إلى اتفاق دائم طويل الأمد حول مستقبل الضفة الغربية والدولة الفلسطينية».
وأوضحت راشيل براندنبورغ، المديرة الإدارية في واشنطن لـ«منتدى السياسة الإسرائيلية»، الذي يعمل من أجل حل تفاوضي على أساس الدولتَين للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، أنّ ترامب ونتنياهو «على الأرجح لديهما توقعات مختلفة لما ينبغي أن ينتج من لقائهما. الرئيس ترامب يرغب في تأمين شروط وقف إطلاق النار وبعض التفاهمات بأنّ إسرائيل لن تضرب إيران مجدّداً، لكنّ رئيس الوزراء نتنياهو ربما يُريد فقط استعراض إنجازاته من دون الاضطرار للموافقة على أي شيء قد يُهدِّد وضعه السياسي».